أبجديات اقتصاديات الصحة

يمكن تقسيم العوامل المؤثرة على صحة الإنسان إلى: عوامل الوراثة (15% من العوامل)، الرعاية الصحية (20%)، ظروف البيئة (25%). وسلوك الإنسان (40%)، هذه نسب تقديرية قد تختلف من مجتمع إلى آخر ومن إنسان إلى آخر ولكنها لا تبعد كثيراً عن الواقع. وباختصار نجد أن نحواً من 70% من العوامل المؤثرة على صحة الإنسان تكمن في سلوكه (ماذا وكيف يأكل ويشرب ويعمل ويسكن ويقود سيارته ويقطع الطريق ويتعامل مع الحياة والآخرين) والبيئة المحيطة به. علنا نتذكر هنا تعريف الصحة كما أقرته منظمة الصحة العالمية “الصحة ليست مجرد الخلو من المرض، وإنما هي التكامل الجسدي والعقلي والنفسي والاجتماعي”.

تعزيز الصحة يعني الحفاظ على صحة الفرد ووقايته من الأمراض. وهي ليست مسئولية وزارة الصحة وحدها، وإنما هي مسئولية مشتركة بين الأجهزة الحكومية والأهلية المسئولة عن الصحة , والبيئة، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام .. وغيرها.

 

في مؤتمر اديليد بأستراليا الذي عقد في منتصف الثمانينيات الميلادية و نوقش فيه موضوع تعزيز الصحة أوصى المؤتمرون بأن تكون الصحة على أجندة كل مسئول في الدولة (المالية، والتعليم , والبيئة , والتخطيط , الخدمات الاجتماعية ) . وأوصوا بأن على المسئول أياً كان موقعه أن يعتبر الصحة وسيلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الى جانب أنها هدف اجتماعي وإنساني. فإذا ما أدرك المسئولون عن المالية والاقتصاد – مثلا – أن الارتفاع بالمستوى الصحي سوف يؤدي إلى تحسين إنتاج الفرد ومن ثم زيادة الدخل القومي فسوف يسعون حتماً إلى دعم نصيب الصحة في ميزانية الدولة. وإذا ما أدرك المسئولون عن التعليم أن ارتفاع المستوى الصحي للتلاميذ سوف يؤدي – كما أثبتت الدراسات- إلى زيادة تحصيلهم العلمي فسوف يجعلون للصحة نصيباً في المقررات الدراسية وسيولون جل اهتمامهم لدعم تغذية تلاميذ المدارس وتوفير الرعاية الوقائية والعلاجية لهم.

دور المال في الارتفاع بمستوى الخدمات الصحية معروف . سوف أعطي هنا بضعة أمثلة على دور مستوى الصحة في الارتفاع بمستوى إنتاج الفرد ومن ثم ارتفاع الدخل القومي .
في الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي كانت البلهارسيا منتشرة في الصين واليابان ومصر والبرازيل. وفي غضون عقدين من الزمان من المكافحة اختفى المرض أو كاد من الصين واليابان وتعثرت مكافحة المرض في البرازيل ومصر ذلك لأن المسئولين في الصين واليابان نظروا إلى المرض على أنه سبب من أسباب التخلف الاقتصادي لماله من تأثير سلبي على قدرة الفرد على الإنتاج وبالتالي صرفت في مكافحته أموالاً طائلة, واتخذت لذلك إستراتيجية واضحة. ونجحت المكافحة. أما في مصر والبرازيل فقد نظر المسئولون إلى الجانب الاجتماعي للمشكلة أكثر مما نظروا إلى جدوى المكافحة على تحسين الدخل القومي.

هناك أمثلة عديدة تعطى لمدى نجاح المشاريع الصحية إذا ما نظر اليها على أنها هدف اجتماعي وإنساني كما أنها وسيلة للتنمية الاقتصادية في المجتمع , و لتوفير مبالغ طائلة من الأموال تصرف عادة على علاج الأمراض بعد حدوثها أو الكوارث بعد وقوعها.