الابتعاث .. أم بناء مؤسساتنا التعليمية .. أم هما معا؟

د. زهير أحمد السباعي

تابعت ما كتبه الزميلان الدكتور  عبد الواحد الحميد و الاستاذ عابد خزندار حول أهمية الابتعاث الى الجامعات الأجنبية لبناء قدرات الشباب.

وأتفق معهما فيما ذهبا إليه من أهمية الابتعاث , ولكني أود أن أضيف أن بناء قدراتنا  الذاتية في التعليم لا تقل إن لم تزد أهمية عن الابتعاث. كلاهما مهم . وأحدهما لا يغني عن الآخر .. إلا أن  الابتعاث – في رأيي –   يجب أن يكون مكملا ومتمما لبناء مؤسساتنا التعليمية. المثل يضرب دائما باليابان في نهضتها الحضارية بعد الحرب العالمية الثانية  بنت مؤسساتها التعليمية أولا وقبل كل شيء وساندت هذا البناء بالابتعاث .

يحضرني مثلان عن أهمية  بناء مؤسساتنا التعليمية وما تمخض عنهما من نتائج إيجابية  في نهاية الستينيات الميلادية من القرن الماضي ناقش الشيخ حسن آل الشيخ وزير المعارف آنذاك فكرة إنشاء أول كلية طب في المملكة مع مجموعة من الخبراء الأجانب،وأجمع الخبراء على أن  المملكة غير مهيأة لإنشاء كلية طب  والأولى هو الاستمرار في ابتعاث الطلاب لدراسة الطب في الخارج.

وضع الشيخ حسن آراءهم جانبا وأقدم على إنشاء كلية طب  جامعة الملك سعود وأولى مسؤوليتها للدكتور حسين الجزائري، وفي نفس الوقت استمر في إرسال البعثات، والنتيجة هي أننا حظينا الآن بما لا يقل عن 10 كليات طب حكومية وأهلية في بلادنا.

المثل الآخر هو إنشاء المجلس العربي للاختصاصات الطبية . فقبل نحو 20 سنة تبدى بوضوح لوزراء الصحة العرب أن الأطباء في العالم العربي الراغبون في الدراسات الطبية العليا أصبحوا لا يجدون بسهولة أماكن صالحة للتدريب في الغرب، ومن ثم تصدت مجموعة من وزراء الصحة والتعليم  العرب للقضية وأنشئوا المجلس العربي للاختصاصات الطبية وجعلوا مقره في دمشق، و عندما نجحت فكرته جاءت بعده تتري مجالس طبية  أخرى في البلاد العربية .

والآن نجد عشرات الآلاف من الشباب العربي من الجنسين أتموا دراساتهم العليا الطبية في أكثر من 25 تخصصا  في البلاد العربية .

قد يكونون في حاجة الى أن يمضوا فترات من التدريب  تطول أو تقصر في مؤسسات طبية خارج الوطن العربي لتطوير ملكاتهم خاصة في مجال البحث العلمي . إلا أن  تدريبهم الأساس تم في بلادهم بنجاح.

إني أدعوا بكل قوة للتوسع في إنشاء المعاهد والكليات والجامعات في بلادنا , وأهنئ وزارة التعليم العالي على هذا المنحى الذي اتخذته،  شريطة أن يوضع لهذه المؤسسات التعليمية  معايير عاليه في مناهجها وطرق التعليم فيها . وأدعو الى أن يشجع التعليم الأهلي في كافة مستوياته بدء من رياض الأطفال وانتهاء بالدراسات العليا، وأن يدعم من قبل الدولة وتدعم رسوم الطلاب فيه على أن يشترط لاستمرار الدعم  المالي والأدبي أن تلتزم المؤسسة التعليمية الأهلية بمستوى عال في الأداء مما يضمن لنا مستوى عال من مخرجات  التعليم.

لا ننسى أن التعليم الجيد مكلف . والتكلفة الحقيقية لا تكمن في الأبنية والمنشئات بقدر ما تكمن  في إعداد الأستاذ، والمنهج، والمواد التعليمية،  واختيار الطالب، وأخيرا وليس آخرا تطبيق مفاهيم الإدارة الجيدة المتخصصة . على أن نولي في الوقت نفسه اهتماما  بالابتعاث لمزيد من الاتصال بالتطورات الحديثة في الشرق والغرب.