التعليم الطبي بين الماضي والمستقبل

كان الأطباء العرب في عصور النهضة الإسلامية من أمثال ابن سينا والفارابي وابن النفيس وابن الهيثم يجمع أحدهم إلى جانب العلوم الطبية علوم الفلسفة والمنطق والفلك والعقيدة.
وفي أوروبا في القرن التاسع عشر كان يتعين على طالب الطب أن يدرس إلى جانب كتاب جري في التشريح الكتاب المقدس وشكسبير .
كان الطبيب يوم ذاك هو طبيب العائلة الذي يجمع إلى علومه الطبية اتصاله الوثيق بالمجتمع والحياة.
تبدلت الأمور , وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية , فاصبح التعليم الطبي يميل إلى التخصص الدقيق , والى التركيز على العضو المصاب بدلا من اعتبار الإنسان ككل , والى الانحصار داخل المستشفي بدلا من الخروج إلى المجتمع . واتسم التعليم الطبي بالمحاضرات يمليها الأستاذ على طلبته ويطالبهم بإفراغ ما حصلوا عليه من معلومات في ورقة الامتحان.
في الخمسينيات الميلادية من القرن العشرين بدأت إرهاصات التغيير في محتوى وأسلوب التعليم الطبي في الدول الصناعية . حمل لواءها جامعات مثل كيس ويسترن ريزيرف في الولايات المتحدة الأمريكية ومكماستر في كندا وماستريخت في هولندا ونيوكاسل في استراليا . وظهر ما يسمى بالتعليم الإبداعي الذي يتسم بالتركيز على احتياجات الطالب بدلا من اهتمامات الأستاذ , والاعتماد على الحوار والمناقشة بدلا من المحاضرات , والخروج إلى المجتمع بالإضافة إلى التدريب في المستشفى , ويتجه إلى المنحى التكاملي في التعليم , يهتم بالإنسان كوحدة واحدة وليس أعضاء متفرقة , ويصل العلوم الأساسية بالتدريب السريرى.
مع بداية الثمانينيات في القرن الميلادي الماضي حملت منظمة الصحة العالمية لواء “الصحة مسؤولية الجميع و من أجل الجميع ” , ودعت إلى ربط التعليم الطبي باحتياجات المجتمع , والى أن الصحة ليست مجرد الخلو من المرض وانما هي التكامل الجسدي والنفسي والعقلي والروحي . وأن هدف التعليم الطبي تخريج أفراد الفريق الطبي الذين يعنون بالوقاية والتطوير عنايتهم بالعلاج.
هذه التطورات في محتوى وأسلوب التعليم الطبي وجدت من يحتضنها ويرعاها في أوروبا بإنشاء شبكة الكليات الطبية المتصلة بالمجتمع , التي سعت إلى توسيع نطاق ربط التعليم بحاجة المجتمع وانتهاج الأسلوب الإبداعي في التعليم الطبي . واتخذت مقرا لها في جامعة ماستريخت بهولندا . وفي غضون ثلاثة عقود اصبح أعضاء الشبكة يتجاوزون 180 كلية طب في 80 دوله , وتطور مفهومها من مجرد التركيز على التعليم الطبي إلى الاهتمام بالخدمات الصحية والبحث العلمي ودعت إلي ربط الجميع باحتياجات المجتمع.
ومع ظهور التقنيات الحديثة في الاتصالات وتطورها السريع أصبحت الانترنيت مصدرا ثرا للمعلومات , ووسيلة فعاله للتواصل بين الطلاب فيما بينهم وبين أساتذتهم . وأصبح من المألوف أن يصحب طالب الطب الكمبيوتر المحمول في غدوه ورواحه . وفي نفس الوقت تطورت معامل المهارات Skill Laboratories فأتاحت الفرصة للطالب لكي يتدرب على الخبرات السريرية وما قبل السريرية باستخدام الكمبيوتر والنماذج المصنوعة من اللدائن.
والى سنوات قليلة مضت كان يعتقد أن التعليم عن بعد قابل للتطبيق في كل مجال باستثناء المجال الطبي , حتى جاءت الجامعة الدولية للخدمات الصحية International University of Health Science (IUHS) ومقرها في جزر الكاريبي , فتحدت هذا المفهوم , وأنشأت أول كلية طب طلابها يدرسون خارج جدرانها , وينتشرون في أنحاء أمريكا وفي خارجها . تصلهم المواد التعليمية عن طريق الانترنيت فيدرسونها تحت إشراف , ويتلقون تدريباتهم المعملية والسريرية في المستشفيات القريبة منهم من خلال اتفاقات تعقدها الجامعة مع الأساتذة والمستشفيات . والتزمت الجامعة بالمستوى التعليمي الذي يتلقاه الطلبة الملتحقون بالكليات الطبية الأخرى , بحيث يحصل الخريج على نفس الشهادة التي تتيح له فرصة العمل في الولايات المتحدة الأمريكية.

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما ذا عن المستقبل؟

المتوقع أن أسلوب التعليم الطبي الإبداعي الذي بدأت إرهاصاته في منتصف القرن العشرين سوف يمضي في طريقه وسوف يستحدث في كل يوم أمرا . سوف يسعى إلى تخريج أطباء وعاملين صحيين مهيئين لان يكونوا عوامل تغيير للأفراد والمجتمعات . وسوف تشهد السنوات القادمة مزيدا من هذه التطورات , فيما يتصل بالمحتوى والأسلوب, كما سنرى مزيدا من الترابط بين التعليم الطبي والخدمات الصحية والمجتمع بمؤسساته المختلفة.
نتوقع أن يتم تدريب الطلاب على الطب الوقائي و التطويري من قبل جميع الأقسام السريرية وما قبل السريرية , ذلك حتى يتخرج الطبيب وهو يجمع في علمه وتوجهاته وممارسته بين الوقاية والتطوير و العلاج . وان يزداد التركيز على اعتبار الإنسان ككل , جسده ونفسه وعقله , والاهتمام بالعلاقة الوثيقة بين الإنسان والمؤثرات البيئية من حوله , و التركيز على تدريب الفريق الطبي المتكامل , و التخفيف من الحواجز التي تفصل بين الأقسام في كليات الطب والحواجز التي تفصل بين كلية الطب بينها و المؤسسات الأخرى في المجتمع , و الأخذ بمفهوم أن الصحة مسؤولية الجميع وليست مسؤولية مؤسسات الخدمات الصحية وحدها . و إلى العناية بالإنسان قبل أن يمرض باتخاذ أسباب الوقاية , وبعد أن يمرض بمساعدته على البرء من المرض وتأهيله لممارسة حياة نشطة منتجة . وتهيئة الإنسان لان يأخذ زمام المبادرة في العناية بنفسه وبمجتمعه , و أن يتعلم كيف يتقي المرض ويتفادى أسبابه
سوف يأخذ التعليم الإبداعي شوطا بعيد المدى , وسوف تتبناه أكثر كليات الطب والعلوم الطبية , مما يسهم في خلق القدرة لدى الطالب على التعليم الذاتي تحت إشراف , والبحث عن المعلومة , وتحليلها , والاستفادة منها في التطبيق العملي , وتنمية مهارات الاتصال لديه , وتهيئته للتعليم الذاتي المستمر مدى الحياة.
سوف يتسع مدى التعليم التعاوني Cooperative Education ليتعدى حدود التنسيق إلى المشاركة بين مؤسسات التعليم الطبي والخدمات الطبية والمجتمع , وذلك في صياغة الأهداف التعليمية ووضع المناهج والتدريب على رأس العمل والتمويل . و تقوية الروابط بين التعليم الطبي والخدمة الصحية والبحث العلمي.
سوف تزداد الاستفادة من تقنيات الاتصال في تطوير التعليم الطبي الأساسي والمستمر والعالي , بحيث يعتمد الطالب على نفسه اكثر من ذي قبل في الحصول على المعلومة والاستفادة منها , والتواصل مع زملائه وأساتذته.
لن ينحصر التعليم الطبي بين جدران الكلية والمستشفى وانما سيتطور ويتسع مداه وتتعدد أساليبه بما يتلاءم مع ظروف الطالب مكانا وزمانا, و سوف نجد طلاب الطب يعملون ويدرسون في نفس الوقت .
باختصار سوف يتغير دور المدرس, والطالب, والفصل الدراسي. سوف يكون دور المدرس تهيئة الطالب للحصول على المعلومة والاستفادة منها بدلا من إعطائه المعلومة . وسوف يكون دور الطالب اكثر إيجابية في العملية التعليمية , يتعلم كيف يكون متعلما طيلة حياته. أما الفصل الدراسي فسوف يكون أينما كان الكمبيوتر وتقنية الاتصال الأخرى.
كل الذي نأمله أن لا يجرفنا تيار التحديث فيصبح هو الهدف , نقف بين وقت واخر لنسأل أنفسنا ماذا نريد وما هو الهدف الذي نسعى إليه . وبقدر حاجتنا إلى الانفتاح على علوم الغرب وتقنياته بقدر ما يجب أن يكون عليه حرصنا وتشبثنا بقيمنا وأخلاقياتنا وعقيدتنا. وليكن هدفنا في النهاية تطوير الصحة, و تمكين الإنسان من تحمل مسؤولية صحته وصحة مجتمعه .