التنمية البشرية في القطاع الصحي

شاركت منذ أسابيع في لقاء علمي عقد في الغرفة التجارية الصناعية بالدمام حول التغيير والقيادة . كان محور اللقاء هو التغيير الإستراتيجي المبني على أسس علمية, باعتباره  السبيل الأمثل للتطوير الاقتصادي والاجتماعي. ما طرح في هذا اللقاء العلمي من آراء أثار في نفسي خواطر شتى تتلخص في أن القطاع الصحي في أي مجتمع أحوج ما يكون الى  التنمية البشرية ,  وأن أكثر ما نحتاجه التنمية البشرية هو التخطيط الإستراتيجي الذي يرتكز على تحديد  أهداف واضحة قابلة للقياس، والمحاسبة.

في عام 1974م نشرت لي ورقة علمية بعنوان “حاجتنا الى القوى البشرية في القطاع الصحي” ذكرت فيها أن الأطباء السعوديين يكونون  20% من مجموع الأطباء العاملين في المملكة. واليوم بعد 33سنة من نشر هذه الورقة نجد أن الأطباء السعوديين لا تتجاوز نسبتهم 22% من مجموع الأطباء . لماذا لم تصل هذه النسبة الى 40% أو 50% مثلا  ؟ الإجابة ببساطة هي أننا  لم نمارس التخطيط الإستراتيجي.

سوف أتحدث بلغة الأرقام عن حاجتنا المستقبلية للقوى البشرية العاملة في القطاع الصحي. وسنجد من خلال استعراض هذه الأرقام أننا إن  لم نتبع أسلوب التخطيط الإستراتيجي الخاضع للقياس والمتابعة والتقييم والمحاسبة فإننا لن نحقق أهدافنا بسهولة . ولأبدأ بتحديد حاجتنا الى الأطباء وأثني بحاجتنا الى الفنيين الصحيين.

حاجتنا المستقبلية للأطباء السعوديين :

لدينا في المملكة العربية السعودية 35.000 طبيب منهم 7,700 طبيب سعودي ,  أي أن الأطباء السعوديين يكونون 22% من مجموع الأطباء.  وتبعاً للدراسات السكانية فإنه من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان المملكة في غضون 28 عاماً أي في عام 1455هـ (2035م).  ومن ثم سوف نحتاج يومذاك  الى  70.000طبيب لكي نحافظ على نفس معدل الأطباء الى السكان القائم اليوم . ولو أننا  هدفنا الى أن يكون 60% من الأطباء  سعوديون في عام 2035  لوجب أن يكون لدينا  42.000طبيب سعودي بعد 28 سنة .

ولأن العدد الحالي من الأطباء السعوديين سوف يتناقص بنسبة  30% على مدى ربع القرن القادم نتيجة للوفاة والتقاعد وتغيير طبيعة العمل فسوف يصبح عددهم حوالي 5400 طبيب سعودي  في عام 2035  . أي أننا في حاجة الى تدريب ما لا يقل عن 36.000 طبيب سعودي خلال 28  عاماً. هذا يعني  أننا في حاجة الى إنشاء ما لا يقل عن 10 كليات طب جديدة في السنوات القليلة  القادمة . أما الاعتماد على زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب فلن يؤدي إلا الى تدني مستوى  التعليم الطبي.

حاجتنا المستقبلية الى الفنيين الصحيين:

نعني بالفنيين الصحيين جميع العاملين في القطاع الصحي من غير الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة . أى العاملين في مجالات التمريض والأشعة والمختبرات والتخدير والعلاج الطبيعي والوقاية والإدارة الصحية وغيرهم .  وتبعاً للمعدلات الدولية يجب أن يكون   لدينا 6-8 فني صحي مقابل كل طبيب ( المعدل الحالي حوالي 3,5  فنيين صحيين لكل طبيب) ، وإذا أخذنا بالتقدير الأدنى أي 6 فنيين صحيين لكل طبيب فإننا سوف نحتاج في عام 2035م الى 420.000 فني صحي مقابل 70.000طبيب ، وإذا أردنا أن يكون 60% منهم سعوديين فهذا يعني أننا بحاجة الى 252.000 فني صحي سعودي آنذاك.

لدينا حالياً  36,000   فني صحي سعودي دربناهم على مدى 50 سنة مضت. وسيتناقص عددهم نتيجة للوفاة أو التقاعد أو تغيير طبيعة العمل ليصبح 24,000  في عام 2035م أي أننا في حاجة الى تدريب 228,000  فني صحي ( ذكوراً وإناثا)  في خلال 28 سنة القادمة . مما يعني حاجتنا الى إنشاء عشرات المعاهد والكليات الصحية.

هنا يأتي دور التخطيط الإستراتيجي الذي يساعدنا على تحديد الأهداف وتوضيح الوسائل ووضع المعايير والقيام بالمتابعة والتقييم والمحاسبة. لا يقف دور التخطيط الإستراتيجي عند هذا الحد ولكن يتعداه الى قضايا أخرى تشمل الجودة والنوعية وحسن الإستفادة من الموارد البشرية المتاحة. أطرحها هنا على  صورة أسئلة يجب الإجابة عليها ضمن الخطة الإستراتيجية .

– هل نلاءم حاليا  في مناهجنا الطبية بين تدريب  الطبيب والفني الصحي و حاجة المجتمع  أم ترانا نستعير    المناهج الغربية في التعليم الطبي .

  • هل الطبيب والفنيون الصحيون يقومون بدورهم المطلوب في الحفاظ على الصحة والارتقاء بها والوقاية من الأمراض أ م يستغرقهم علاج المرض بعد حدوثه ؟
  • هل التوزيع الجغرافي الحالي للأطباء والفنيين الصحيين يخضع لمعايير علمية تراعي حاجة المجتمع؟
  • هل نعرف اليوم مدى احتياجاتنا الى التخصصات الصحية المختلفة بعد ربع قرن من اليوم لكي نخطط لها بأسلوب علمي؟
  • هل الإدارة الصحية في مستشفياتنا ومراكزنا الصحية تستند الى أسس علمية؟
  • هل الإحصاء الحيوي الذي نجمعه من المستشفيات والمراكز الصحية يستفاد منه في التخطيط والمتابعة والتقييم؟

هذه الأسئلة ة وغيرها كثير يجب أن تطرح ، والإجابة عليها لن تتوفر إلا إذا اتبعنا أسلوباً علمياً في التخطيط والتنفيذ.

في رأيي أن الإدارة  العليا لن تستطيع أن تؤدي دورها المطلوب في التخطيط الإستراتيجي إلا إذا تخلصت من المركزية وذلك  بأن تحدد لكل منطقة  شؤون صحية ميزانية مستقلة  تبعاً لاحتياجاتها وعدد سكانها وطبيعة المشاكل الصحية والبيئية فيها , ومن ثم تمنح كل منطقة  صلاحية التصرف والحركة وتحاسب  على النتائج. وبذلك تتفرغ الإدارة العليا لأداء دورها في وضع المعايير والأهداف والخطط والبرامج والمتابعة والتقييم والمحاسبة