الجامعات والكليات الأهلية الواقع والمأمول

التعليم والتدريب من أهم عومل نمو المملكة اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، موضوعه متشعب ومتعدد الأطراف والمستويات، ومن ثم سأقتصر في حديثي هنا على أحد مستوياته: التعليم العالي. وعل لنا وقفات مستقبلاً مع جوانب أخرى منه.

  • الوضع الحالي:

أولت الدولة اهتماماً كبيراً للتعليم العالي. وبدأت إرهاصاته في عام 1957م بإنشاء كلية واحدة هي كلية الآداب في جامعة الملك سعود انضم إليها 21 طالباً أكثرهم غير سعوديين. ونجد اليوم بعدما يقرب من نصف قرن ثماني جامعات تضم 370.000 طالباً وطالبة. وفي الفترة نفسها تضاعفت ميزانية التعليم الجامعي مئات المرات بدأت بميزانية متواضعة لا تزيد عن خمسة ملايين ريال ، وأصبحت اليوم تربو على 7.864 مليار.                هي جهود مشكورة تحتسب لولاة الأمر والمسؤولين عن التعليم العالي في بلادنا .            وإن كانت هناك ثمة مشاكل فهي المشاكل التي  تواجه أي تطور سريع كالذي حققناه. كما أنها قابلة للحل إذا ما حددنا أهدافنا وسعينا لها سعيها هدأه=دا  .

 

  • المشكلة:

مشكلة التعليم العالي في بلادنا ذات شقين: نوعيته، وقدرته على استيعاب مخرجات التعليم الثانوي.

  1. نوعية التعليم الجامعي:

يرى الكثيرون من المعنيين بالتعليم الجامعي والمهتمين بأمره أن التعليم الجامعي في أكثر جوانبه لا يهيئ الطلاب بقدر كاف لسوق العمل، إذ أن نسبة عالية من طلاب الجامعات يدرسون دراسات نظرية. وبدون أي محاولة للتقليل من أهمية هذه الدراسات إلا أنها في مواجهة التحدي الاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه لا تهيئ الشباب لسوق العمل، ومن ثم فالدعوة قائمة لإعادة النظر في سياسة التعليم وتحقيق التوازن المطلوب بين الدراسات النظرية والعلمية، وصياغة التعليم الجامعي بما يتلاءم وسوق العمل.

  1. عدم استيعاب مؤسسات التعليم العالي لمخرجات الثانوية العامة:

بلغة الأرقام نجد أنه في خلال العشر سنوات القادمة (1425-1435هـ) سوف يحصل على الثانوية العامة نحواً من مليوني طالب وطالبة. لن تستوعب المؤسسات التعليمية الحكومية أكثر من 60% منهم. وسيظل الباقون (800.000 طالب وطالبة) في حاجة إلى التعليم والتدريب الذي يهيئهم لسوق العمل، سواء كان ذلك من خلال مؤسسات تعليمية حكومية جديدة تنشأ أو من خلال القطاع الأهلي.

لسنا من الداعين بأن يتوجه جميع خريجي الثانوية العامة للتعليم الجامعي، ولكن في ضوء الحقيقة التي تقول أن في بلادنا نحو خمسة ملايين وافد كنسبة عالية و معظمهم من أصحاب المؤهلات الجامعية فإن الحاجة ماسة لتوجيه إعداد كبيرة من خريجي الثانوية العامة للتعليم الجامعي من أجل إعداد أطباء وعلماء ومهندسين وتقنيين على مستوى عال من المهارة. ليس ذلك فحسب وإنما إتاحة فرص التعليم العالي للذين توقفوا دونه و لديهم الرغبة والقدرة على التعليم الجامعي وهم على رأس العمل.

هل نتوسع في التعليم العالي الحكومي أم الأهلي؟

الإجابة واضحة. ذلك أن التوسع في التعليم العالي الأهلي أقل تكلفة من التعليم الحكومي، ولن يقل في مستواه عن التعليم الحكومي، وبخاصة إذا ما أولت المؤسسات الحكومية جهدها لضمان الجودة النوعية، والمتابعة والتقييم وتركت التنفيذ للقطاع الأهلي، ودعمته وسهلت إجراءاته، وأعطته مساحة واسعة من حرية الحركة والتطوير، بما لا يتعارض مع ركيزتين أساسيتين لا خلاف حول أهميتها القصوى:  سلامة العقيدة وأمن الدولة.

أما أن التعليم الأهلي أقل تكلفة .. فهذا أمر لا مشاحة فيه فإذا ما أخذنا على سبيل المثال تكلفة التعليم الطبي نجد أن كلية الطب بجامعة الملك سعود تصرف على تدريب الطبيب نحو مليون ريال، أي ما يعادل 150.000ريال سنوياً. في حين أن رسوم الدراسة في كلية طب أهلية لا تتجاوز 58.000 ريال سنويا.ً ولو أن الدولة منحت طالب الطب في كليـــــة طب

أهليه (50%) من رسوم الدراسة أي 30.000 ريال في السنة أو حتى أقرضته هذا المبلغ لوفرت في تدريب الطبيب الواحد حوالي 800.000 ريال. أي مبلغ 800 مليون ريال لتدريب 1000 طبيب أو مبلغ 8 مليار ريال لتدريب 10 آلاف طبيب. وهو عدد نحتاج إليه لنصل إلى نسبه مقبولة من توطين وظائف الأطباء

 

هل من الضرورة أن تتبع معايير القطاع الأهلي نفس معايير القطاع الحكومي؟

مع بداية تخطيطنا لكليات العلوم والتقنية الأهلية بالطائف، استعنا بخبراء من جامعة أريزونا الأمريكية ليساعدونا في الإجابة على السؤال التالي .. كيف نجحت الجامعات الأهلية في أمريكا في تغطية مصاريفها من الرسوم الدراسية ، بعد أن كان المتعارف عليه أنها لا تقوم إلا على الهبات والمنح. خلصت الدراسة إلى أن الجامعة الأهلية يمكنها أن تنجح معتمدة على مواردها، بشروط من أهمها:

  1. الجمع بين الدراسة داخل قاعات الدرس واستخدامات الكمبيوتر (Click and Brick ) بمعنى أن الدارس يستطيع أن يحصل على كثير من العلوم بنفسه باستخدام الإنترنت ولا يحتاج لأن يبقى كل أو جل وقته داخل الفصل الدراسي. أي بإمكانه أن يعمل ويدرس في الوقت نفسه شريطة أن يلتقي مع زملائه وأساتذته في الأمسيات أو نهاية الأسبوع، لقاءات لا تتم بالضرورة في الحرم الجامعي وإنما تعقد في مراكز تجمعات بعيدة عن الحرم الجامعي وموصولة به إلكترونياً. ويضرب مثلاً لذلك جامعة فينيكس في أمريكا . فهي جامعة أهلية يبلغ عدد طلابها عشرات الألوف يدرسون في أكثر من 100 مدينة وهم على رأس العمل ، ويلتقون مع زملائهم بمعدل في نفس المدينة بصورة دورية .

أغلب الأساتذة في جامعة فينيكس ليست لديهم درجة الدكتوراه، وكثير منهم غير متفرغين من مدراء الشركات والمصانع والمؤسسات يقدمون محاضراتهم وندواتهم للطلاب مباشرة أو عن طريق الإنترنت. فلسفة الجامعة في ذلك أن الدكتوراه تهيئ حاملها للتدريس الأكاديمي، بينما هم حريصون على تدريب طلابهم بما يهيئهم للعمل في المصانع والشركات.

  1. تبني أسلوباً في التصميم والعمارة مغايراً للأسلوب التقليدي. ليس هناك حاجة لقاعات المحاضرات الضخمة، فالتعليم يعتمد على الحوار بدلاً من المحاضرات، أو المعامل الكثيرة ، فالمعمل المتعدد الأغراض يفي بالمطلوب . كما أن التدريب في المجتمـــــــــع والاستخدام الأمثل للمباني يؤدي إلى الاستغناء عن كثير من المساحات، والمكتبة الإلكترونية تغني عن المكتبة التقليدية المزدحمة بالكتب والمجلات. وجهاز الطالب الإلكتروني يغني عن معامل الكمبيوتر. وفي الأندية الرياضية في المجتمع بديل عن ملاعب الجامعة.

 

  1. توفر حرية الحركة والتجديد للجامعة مع التزامها بجودة المستوى:

أعطت الدراسة نماذج لهذا اللون من التعليم الذي يعطي الفرصة للطالـــــب لكي يدرس وهو على رأس العمل أينما كان وحيثما أراد. المهم أن لا تقل مخرجات التعليم في جودتها عن مخرجات التعليم التقليدي الذي يبقى الطالب بين أربعة جدران.

يســــتخلص مما ســــــبق أن المعايير التي يجب أن توضع لمؤسسات التعليــــــم الأهلي يجب أن لا تخضع للمعايير التقليدية، فالتغيرات التي تسود التعليم الحديث في أهدافه ومناهجه وأغراضه وأساليبه تتطلب انطلاقه في التفكير .المهم هو مراعاة النتائج.

 

هل يحتاج التعليم الأهلي إلى دعم الدولة.

نعم بلا شك. وبخاصة في مجتمع مثل مجتمعنا درج الناس فيه على أن التعليم هو مسؤولية الدولة حتى أغنى الأغنياء إذا ما توفر لأبنائه التعليم المجاني سوف يسعى إليه. ومن هنا كان دعم الدولة مطلوباً، سواء كان دعماً مباشراً على هيئة أراض وقروض ميسرة (وهذه تقدمها الدولة حاليا) أو دعماً غير مباشر على هيئة منح أو قروض للطلاب، مما يشجعهم على الإقبال على التعليم الأهلي، ويخفف من الضغوط التي على الجامعات الحكومية، ويقلل من تكلفة التعليم العالي على الدولة.

 

ماذا عن الإجراءات الروتينية ؟

كل من يتصدى للتعليم الأهلي يشكو من صعوبة الإجراءات الروتينية التي تستنزف الجهد والطاقة، وتعطل الاستثمار في القطاع التعليمي. ومع تقديرنا لحرص المسؤولين على تحقيق مستوى عال من التعليم الأهلي ومنع الدخلاء من صائدي الثروات من ولوج بابه. إلا أن صعوبة الإجراءات لا تحل المشكلة، بقدر ما يحلها إجراء واحد. ذلك هو إجراء امتحان موحد لجميع خريجي المؤسسات التعليمية الحكومية والأهلية يسمى (امتحان الدولة).

 

ما المقصود من الامتحان الموحد؟

المقصود. هو أن أي خريج من مؤسسة أهلية أو حكومية يجب أن يخضع لامتحان تعقده الدولة في مجال تخصصــه، فإذا ما اجتاز الامتحان أعطي ترخيصــــــاً بالعمل. وإذا لم يجتزه عليه أن يعيد بعض ما درس. هو إجراء معمول به في كثير من دول الغرب. مفاده هو أن أي مؤسسة تعليمية أهلية كانت أو حكومية ستكون حريصة على الوصول إلى مستوى عال من الأداء. وإلا فسوف تفقد مصداقيتها والإقبال عليها. هذا الإجراء سوف يعفي وزارة التعليم العالي من فرض قيود ثقيلة على مواصفات البناء والتشغيل والتسجيل والقبول ويعفيها من مسؤولية اختيار مجلس الأمناء وتعيين العمداء من القطاع الأهلي. فالعبرة بالنتائج، نتائج الامتحان الموحد.

ماهي المصادر التي يمكن الاستفادة منها في دعم الطلاب في القطاع الأهلي؟

هناك مصادر عديدة منها:

  1. تفعيل صندوق تنمية الموارد البشرية.
  2. تحديد نسبة من القروض التي يقدمها صندوق التنمية الصناعية للمصانع والشركات تخصص للتدريب.
  3. الاستفادة من أرباح البنوك التي يتحرج أصحابها من استلامها.
  4. وهناك مصادر أخرى عديدة يمكن التفكير فيها.

الخلاصــة:

  • يجب أن يكون للقطاع الأهلي دوراً إيجابياً وفعالاً في التعليم العالي.
  • إعطاء الدولة دعماً للقطاع الأهلي وإسهامها في رسوم الطلاب، سوف يشجع على التوسع في التعليم الأهلي، ويقلل الضغط على الجامعات الحكومية، ويحد من إنفاق الدولة .
  • التوجهات الحديثة في التعليم، تقتضي إعادة النظر في مقاييس ومعايير الجامعة التقليدية من حيث المساحات المطلوبة، وعدد المعامل، ونسبة أعضاء هيئة التدريس للطلاب ..الخ.
  • التوسع في التعليم الأهلي يقتضي تخفيف الإجراءات الروتينية المطولة التي تسبق التصاريح ، والاعتماد بدلاً من ذلك على امتحان ” دولة ” موحد لضمان نتائج التعليم.