الفنيون الصحييون .. قضية الساعة

هي قضية الساعة لأنها تمس مستقبل الرعاية الصحية في بلادنا. فالقوى البشرية الصحية أهم عنصر في منظومة الرعاية الصحية .. أهم من المباني والأجهزة والمعدات. والفنيون الصحييون يكونون مع الأطباء الفريق الصحي المتكامل. لو تداعى منه عضو تداعت معه بقية الأعضاء. الفنيون الصحييون يعملون في مالا يقل عن 50  مجالاً في الرعاية الصحية .. بما في ذلك التمريض والأشعة والصيدلة والمختبرات والعلاج الطبيعي والتخدير والأسنان وغرف العمليات والتقنيات الطبية والإدارة الصحية وإدارة المستشفيات والسجلات الطبية. إلى غير ذلك من المجالات ..

دعونا نلقي نظرة على الوضع الحالي للقوى البشرية في المملكة تمهيدا  للحديث عن المستقبل. لدينا اليوم 51 ألف طبيب بشري وطبيب أسنان (22% منهم سعوديون ) وفي مقابل ذلك لدينا 153 ألف فني صحي في مختلف التخصصات ومن مختلف الجنسيات من بينهم 62 ألف فني صحي سعودي (40%). من هنا يتضح جلياً أن النسبة بين مجموع الفنيين الصحيين إلى مجموع الأطباء 2.9: 1 وهي نسبة متدنية بكل المقاييس العالمية وتمثل نظرية الهرم المقلوب. في حين أن نسبة سبعة فنيين صحيين (على الأقل) إلى كل طبيب هي النسبة المطلوبة لتحقيق التوازن بين أفراد الفريق الصحي.

إذا ما نظرنا إلى المستقبل بعد 25 سنة أي في عام 1456 هجرية , يومها سيتضاعف عدد السكان في المملكة وبالتالي سوف يتضاعف عدد الأطباء حيث نتوقع أن يكون لدينا 102 ألف طبيب من جميع الجنسيات .  ولكي نحقق التوازن بين عدد الفنيين الصحيين وعدد الأطباء أي بنسبة 1:7 وجب أن يكون لدينا 714 ألف فني صحي .  وإذا أردنا أن يكون 70% منهم سعوديون كان علينا أن ندرب في هذه الفترة 500 ألف فني صحي سعودي، أخذاً في الاعتبار أن الفنيين الصحيين الموجودين اليوم لن يكونوا يومها على رأس العمل لأسباب الوفاة أو التقاعد أو تغيير طبيعة العمل.

لا يكفي أن نقول أننا محتاجون إلى تدريب 500 ألف فني صحي سعودي ونقف، وإنما علينا أن نسأل أنفسنا ما هي المجالات التي سيعملون بها؟ وما هو الوصف الوظيفي لهم في كل مجال؟ كم منهم سوف نحتاج بشهادة الدبلوم (3 سنوات من الدراسة النظرية والعملية بعد الثانوية العامة)؟ وكم سنحتاج من حملة البكالوريوس (4-5 سنوات بعد الثانوية العامة)؟

لا يكفي أن نقول أننا محتاجون إلى تدريب 500 ألف فني صحي سعودي ونقف، وإنما علينا أن نسأل أنفسنا ما هي المجالات التي سيعملون بها؟ وما هو الوصف الوظيفي لهم في كل مجال؟ كم منهم سوف نحتاج بشهادة الدبلوم (3 سنوات من الدراسة النظرية والعملية بعد الثانوية العامة)؟ وكم سنحتاج من حملة البكالوريوس (4-5 سنوات بعد الثانوية العامة)؟

إذا ما نظرنا إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا سنجد الفنيين الصحيين من حملة الدبلوم أكثر من حملة البكالوريوس. وقد تصل النسبة في بعض المناطق  إلى 70% من حملة الدبلوم إلى 30% من حملة البكالوريوس . هذا يدعونا لأن نسأل أنفسنا ما هي النسبة المطلوبة في بلادنا من حملة الدبلوم الى حملة البكالوريسوس .  سوف نتمكن من الحصول على الإجابة بعد أن نحدد المجالات المطلوبة، والوصف الوظيفي لها، وتوزيعها بين المستشفيات والمراكز الصحية، وتوزيعها بين القطاعات الحكومية والأهلية.

شيء آخر يسترعى انتباهنا وهو أن نسبة الفنيين الصحيين السعوديين العاملين في القطاع الخاص لا تتعدى 3% من مجموع الفنيين الصحيين. ترى ما السبب وما الحل؟ قبل أن نعرض حلولاً سريعة وعاجلة وقد لا تكون ناجحة علينا أن نسمع وجهة نظر أصحاب المستشفيات والمراكز الصحية الأهلية. ما الذي يريدونه من الفني الصحي السعودي لكي يوظفوه ؟ ما هي معايير الجودة المطلوبة في تدريبه؟  ما نوع العلاقة المهنية التي يجب أن تربط بين صاحب العمل والفني الصحي السعودي؟ وما هو سلم الرواتب المرضي للطرفين مقارنة بتكاليف المعيشة ؟

طالما تطرقنا إلى حديث الجودة ومعاييرها فالحديث عنها  ذو شجون. لابد أن نرتقي بمستوى التعليم والتدريب الفني الصحي في إطار الإرتقاء  بمستوى الجودة في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية والأهلية على السواء . التطوير له تكلفته. نستطيع أن نرفع مستوى الجودة في المعاهد الصحية الحكومية والأهلية بالارتفاع بمستوى التعليم النشاط والتعليم الالكتروني , واستقطاب مدرسين بدرجات علمية أعلى  , واستحداث أفضل النظم في وسائل الإيضاح ,  وإنشاء المزيد  من المعامل والمختبرات كل هذا ممكن ومطلوب. ولكنه سينعكس حتماً على رسوم الدراسة التي سيدفعها طلاب المعاهد الصحية. هذه الزيادة في الرسوم لايمكن أن يتحملها طلاب المعاهد الأهلية  إلا بمساعدة وعون من الدولة.

الدولة أنشأت صندوق تنمية الموارد البشرية الذي يقوم بدور مشكور ولكنه لا يغطي حالياً إلا نسبة محدودة من الطلاب. وهنا يأتي دور وزارة العمل التي تدير الصندوق لتشارك في وضع الخطة المستقبلية للتعليم والتدريب الصحي , طالما أن الهدف هو إعداد الشباب لسوق العمل والحد من البطالة.

نعود مرة أخرى إلى عدد الذين سنحتاجهم من الفنيين الصحيين بدرجة البكالوريوس (يدعون في هذه الحالة أخصائيون). لو افترضنا أننا سنحتاج إلى 30% من مجموع 500 ألف ليكونوا من الحاصلين على البكالوريوس أي 150 ألفاً . علينا أن نسأل وزارة التعليم العالي عن إمكانية تخريج هذا العدد في فترة 25 سنة. الأمر الذي يستدعى إشراكها هي الأخرى  في وضع الخطة المستقبلية لإعداد الفنيين الصحيين .

سؤال آخر يطرح نفسه: بأي لغة يكون التعليم في المعاهد الصحية .. باللغة العربية أم بالانجليزية؟ لقد أحسنت الهيئة السعودية للاختصاصات الصحية بزيادة سنوات الدراسة في المعاهد الصحية من سنتين ونصف إلى ثلاث سنوات. بيد أن الطالب من حملة الثانوية العامة بعد أن يمضي بالمعهد الصحي  سنة كاملة في دراسة اللغة الانجليزية سيصل إلى مرحلة القدرة على التفاهم مع الطاقم الطبي وقراءة التقارير والسجلات الطبية