تطوير الصحة – مسؤولية من ؟

يعتمد التطوير الصحي على قاعدة أساسية هي المشاركة .. مشاركة أفراد المجتمع في تخطيط وتنفيذ المشاريع الصحية، ومشاركة الأجهزة المعنية مثل وزارات ومؤسسات الاقتصاد والتعليم والبيئة والاجتماع في تحمل مسؤولية تخطيط وتنفيذ المشاريع الصحية. ذلك أن الصحة كل لا يتجزأ وأنها بقدر ما هي غاية هي أيضاً وسيلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ومن ثم كانت حتمية المشاركة في تخطيطها وتنفيذها وتقييمها من أفراد المجتمع ومؤسساته.

التطوير الصحي أو تعزيز الصحة (Health promotion) تعبير أصبح يتردد صداه  في المؤتمرات الطبية والمحافل الدولية وفيما يكتب وينشر في الأدبيات الطبية. والتطوير الصحي قضية متعددة الجوانب ولكنها ترتكز على مبدأ تطوير أسلوب حياة الإنسان. وقبل أن استطرد أود أن أذكر بتعريف منظمة الصحة العالمية لكلمة الصحة (الصحة ليست مجرد الخلو من الأمراض ولكنها التكامل الجسدي والعقلي والنفسي والإجتماعي).

والذي نستخلصه من الدراسات الطبية هو أن أسلوب الحياة الذي ننتهجه في مأكلنا ومشربنا وتعاملنا مع البيئة وعلاقاتنا الاجتماعية والإنسانية هو العامل الأساس وراء الصحة والمرض.

انطلاقاً من هذا التصور  نجد أن تطوير الصحة أمر سهل ممتنع. سهل لأنه قضية متفق عليها لا يختلف على أهميتها إثنان. وصعب لأن تغير السلوك البشري من أكثر الأمور تعقيداً، تحول دونه معتقدات ومورثات وعادات وتقاليد وظروف بيئية.

من هنا جاءت أهمية تحديد المسؤولية، وطرح السؤال : التطوير الصحي مسؤولية من؟

هل هو مسؤولية الطبيب أم أفراد الفريق الصحي أم أفراد المجتمع؟

الواقع أنها مسؤولية مشتركة بين الجميع. ذلك أن تحقيق مستوى صحي مرتفع في المجتمع يعتمد أكثر ما يعتمد على تطوير سلوك الأفراد وعلاقاتهم المتداخلة وتفاعلهم مع العوامل البيئية. وهي قضية متشعبة تقتضي توحيد الجهود ومشاركة الجميع.

انتشرت في السنوات الأخيرة في مجتمعنا الخليجي أمراض القلب والسكر وارتفاع الضغط والتهاب المرارة وحصواتها واضطراب القولون. وجميعها مشاكل صحية نتجت عن إفراطنا في الغذاء وإهمالنا للحركة والرياضة، وزيادة ضغوط الحياة من حولنا. نحن نأكل أكثر من حاجتنا. ونستعمل السيارة في غدونا ورواحنا، ونستجيب لظروف الحياة والبيئة بمزيد من التوتر والقلق. والبعض منا يحاول أن يتغلب على القلق والتوتر بالتدخين وتناول المسكنات والمهدئات، والبعض الآخر يذهب في تنفيسه للتوتر بممارسة السياحة الهجومية. ولكى ننتقل بالصحة من طور إلى طور أفضل ومن مستوى إلى مستوى أحسن، يجب أن يعي أفراد المجتمع القواعد الأساسية للسلوك الصحي السليم، وأن يمارسوا هذا السلوك، وأن تقف أجهزة الدولة مجتمعه وراء هذا الهدف.

أفراد المجتمع يجب أن يكون لهم مشاركة إيجابية في الرعاية الصحية التي تقدم لهم، مشاركة في التخطيط والتنفيذ والتقييم.  هذه المشاركة لا تقف عند حد أن يعي الفرد هذه المسؤولية، وإنما يجب أن يهيأ لحملها بكافة الوسائل، ولو أننا نظرنا إلى الأمراض مجتمعة لوجدنا أن العامل الأساس وراء حدوثها وانتشارها هو سلوك خاطئ للإنسان في غذائه أو شرابه أو في تعامله مع الناس أو الأحداث.

الركيزة الأخرى التي يرتكز عليها التطوير الصحي هي مشاركة القطاعات الصحية الحكومية والأهلية المختلفة في تحمل مسؤولية الرعاية الصحية. وبالتالي فإن تطوير الصحة يجب أن يكون على أجندة كل مسؤول في الدولة ذو علاقة مباشرة أو غير مباشرة  بالصحة.

علينا دائماً أن نتذكر أن الوصول إلى مستوى عال من الصحة هدف اجتماعي إنساني نبيل، بالإضافة إلى أنه وسيلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. الأمثلة التي يمكن أن تضرب لتوضيح العلاقة بين الصحة والنمو الاقتصادي والاجتماعي لا يحدها حصر. فكثير من المشاريع الإنمائية مثل الإسكان والتغذية والتعليم وإنشاء السدود وإقامة المصانع وإزالة الغابات، تنعكس نتائجها – إيجاباً أو سلباً – على صحة الفرد والمجتمع. وكلنا يعرف أن النمو الجسدي والعقلي تبدأ إرهاصاته في اللحظات الأولى من تكوين الإنسان، وهو بعد جنين في رحم أمه، والأم الصحيحة جسداً وعقلاً قمينة بأن تنجب أطفالاً أصحاء.

بعد هذه المقدمة، قد يكون من المناسب أن نأتي ببضعة أمثلة تدلل على الرباط الوثيق بين التطوير الصحي ومشاركة الأفراد والمؤسسات في المشاريع الصحية.

عندما خططت اليابان لمكافحة البلهارسيا اعتبرت ما يمكن أن يضفيه مشروع مكافحة المرض من زيادة في قدرة الفرد على الإنتاج، وبالتالي على الناتج القومي. فوضعته في حساباتها، ونجح مشروع مكافحة البلهارسيا في اليابان. وفي الصين نجح مشروع مكافحة البلهارسيا لأنه ارتبط أيضاً بمشاريع التنمية الاقتصادية بالإضافة إلى مشاركة أفراد المجتمع في إبادة القواقع التي تحمل طفيلي المرض.

في الوقت الذي تعثرت فيه مشاريع مكافحة البلهارسيا في كثير من الدول النامية لأن القوم تصدوا لها من منطلق إنساني بحت، وقامت بهذه المشاريع المؤسسات الصحية بدون مشاركة فعالة من مؤسسات التعليم والاجتماع والثقافة أو أفراد المجتمع.

ونأتي إلى مثال آخر من إيران. برزت إيران في السبعينيات من القرن الماضي كدولة رائدة في المشاريع الصحية التي تعتمد على مشاركة المجتمع. ومن التجارب التي أثمرت في إيران تجربة بدأت في منطقة غرب أذربيجان سرعان ما طبقت في مناطق عدة من البلاد وفي بعض الدول المجاورة. بدأت التجربة بأن وجد المسؤولون الصحيون أن الأطباء أميل إلى الاستقرار في المدن الرئيسة مثل طهران واصفهان وشيراز عازفين عن العمل في الريف. واستقر الأمر على إيجاد حل للمشكلة يرتكز على تدريب المساعدين الصحيين للعمل في الريف كبديل للأطباء، مشاركة أفراد المجتمع في المشاريع الصحية.

قام المسؤولون الصحيون في منطقة غرب اذربيجان بالتعاون مع جامعة طهران ومنظمة الصحة العالمية بتنفيذ مشروع لتدريب المساعدين الصحيين على تنفيذ البرامج الصحية بالمشاركة مع أفراد المجتمع، كما دربوا بضعة محدودة من الأطباء للإشراف على المساعدين الصحيين. وعلى مدى بضع سنوات دربوا مئات المساعدين الصحيين ذكوراً وإناثاً، وتم تنظيم العمل بحيث يقوم المساعد الصحي أو المساعدة الصحية بالتعاون مع القرويين في إعداد وتنفيذ برامج التثقيف الصحي، وتطعيم الأطفال ضد الأمراض، وتوفير مياه الشرب، وإنشاء المراحيض، ومكافحة الحشرات، وغير ذلك من المشاريع الصحية. يشارك القرويون في تنفيذ هذه المشاريع متحملين نصف تكاليفها بينما تتحمل الإدارة الصحية النصف الآخر. وفي فترة زمنية قصيرة أنشئت عشرات المشاريع في القرى بمشاركة الأهالي.

بعد مضى خمس سنوات على تنفيذ المشروع قامت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع جامعة جونز هوبكنز بتقييم النتائج وأسفرت الدراسة عن تحسن كبير في صحة السكان وانخفاض في معدلات الوفيات والأمراض، مقارنة بالمناطق التي لم تحظ بمشاركة الأهالي في تخطيط وتنفيذ البرامج الصحية.

مشروع آخر نفذ في قرى نارنجوال في الهند بالتعاون بين المسؤولين الصحيين وجامعة جونزهوبكنز الأمريكية. وجد الباحثون أن نسبة الإصابة بالتيتانوس والإسهالات والإلتهابات الرئوية عالية بين الأطفال، ووجد أن الدواء الذي يقدمه الأطباء في المراكز الصحية قد يفيد في علاج الحالات المرضية القائمة ولكنه لا يحول دون حدوث إصابات مرضية جديدة. ذلك أن أسباب المرض تكمن في البيئة. دربوا مساعدين صحيين مهمتهم زيارة البيوت وتوعية الأمهات بأسباب الأمراض وكيفية الوقاية منها فانخفضت معدلات الإصابة عن ذي قبل، انتقلوا إلى خطوة أخرى. دربوا الأمهات أنفسهن على الإجراءات الوقائية فانخفضت معدلات الإصابة. ومن هنا يتضح أن إشراك أفراد المجتمع في تنفيذ الرعاية الصحية أجدى وأقل تكلفة.

وأعطي أمثلة أخرى من مجتمعنا المحلي تدل على مدى استعداد أفراد المجتمع للتصدي لمشاكلهم الصحية بالتخطيط والتدبير إذا ما أتيحت لهم الفرصة لذلك. كنت أجري دراسة عن الرعاية الصحية في منطقة ريفية، ووجدت الطبيب في مركز الرعاية الصحية يقضي كل وقته بين جدران المركز الصحي، ولا يبذل أي جهد يذكر في الخروج إلى المجتمع للتعرف على المشاكل الصحية، أو التثقيف الصحي، أو إصحاح البيئة، أو الاكتشاف المبكر للأمراض.

سألته : لماذا ؟ : قال لا وقت عندي إلا للعلاج.

الواقع أن السبب ليس ضيق الوقت بقدر ما هو أسلوب التعليم الطبي الذي هيأ الطبيب لأن يكون معالجاً للأمراض بدلاً من أن يكون مطوراً للصحة.

عقدت اجتماعاً مع بضعة مختارة من أفراد المجتمع، وأدرت معهم حواراً حول المشاكل الصحية القائمة في مجتمعهم ووسائل علاجها. بعد نصف ساعة من النقاش كان هناك اتفاق من الجميع وبدون استثناء على ضرورة أن يمضي الطبيب جزءً من وقته خارج جدران المركز الصحي للتوعية والتطوير وتحسين البيئة، بيد أنهم اختلفوا في الوسيلة التي يستطيع أن يحقق بها الطبيب مبدأ الخروج إلى المجتمع وعلاج العدد الكبير من المرضى المترددين على المركز الصحي. منهم من اقترح زيادة عدد الأطباء في المركز، ومنهم من رأى زيادة الإمكانات المالية. ومنهم من رأى ضرورة إنشاء مركز صحي إضافي. وتبدى واضحاً أنها جميعاً حلول غير عملية لما فيها من تكاليف مالية.

حرصت على ألا أطرح عليهم حلاً كنت وما زلت أراه مناسباً على أمل أن يصلوا إليه بأنفسهم. وفعلاً انتهوا إليه. ذلك هو أن يدرب بعض المساعدين الصحيين على فحص وعلاج المرضى بالأمراض البسيطة والشائعة، شريطة أن يعرف المساعد الصحي حدوده وقدراته ويرجع إلى الطبيب فيما وراء ذلك.

كان لديهم إعتراض واحد. ماذا لو أخطأ المساعد الصحي في التشخيص والعلاج ؟ ذكرت لهم أن دولاً عديدة طبقت الفكرة ونجحت بهذا الأسلوب في إعطاء الجانبين الوقائي والتطويري حقهما، كما أن احتمال خطأ الطبيب وهو يعالج أعداداً كبيرة من المرضى أمر وارد و لايقل عن احتمال خطأ المساعد الصحي.

ليس الغرض من حديثي هنا الدعوة إلى هذا النمط أو ذاك من الرعاية الصحية وإن كان الأمر جديراً بالاعتبار.  الغرض هو التأكيد على أن النخبة من أفراد المجتمع قادرة على المشاركة في التخطيط للرعاية الصحية، مما يسهم في إعطائهم الاحساس بالانتماء والشعور بالمسؤولية حيال ما يقدم لهم من خدمات صحية.

وفي دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية شملت مجموعة من الدول الصناعية ودول العالم الثالث، خرجت الدراسة بنتيجة قوامها أن مشاركة المجتمع في تخطيط وتنفيذ البرامج الصحية قاعدة أساسية لتطوير مستوى الرعاية الصحية.

قبل أن أنهي مقالتي أود أن أشير إلى مشاريع عدة نفذناها بالتعاون بين أساتذة وطلاب كلية الطب بجامعة الملك سعود وأساتذة وتلاميذ المدارس وقادة المجتمع، أثبت جدواها ونجاحها.

الخلاصة:

الصحة كل لا يتجزأ. وكما أن الصحة غاية هي في الوقت نفسه وسيلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. والتطوير الصحي مسؤولية مشتركة بين أفراد الفريق الصحي وأفراد المجتمع، وحتى يستطيع أفراد المجتمع أن يأخذوا دوراً إيجابياً في تخطيط وتنفيذ وتقييم المشاريع الصحية يجب أن يهيئوا لهذا الدور ويمكنوا من القيام به.  كما أن التطوير الصحي مسؤولية مشتركة بين الصحة والأجهزة الحكومية والأهلية ذات العلاقة، ومن ثم فإن موضوع الصحة يجب أن يكون على أجندة كل مسؤول في الدولة بحيث يصبح الخيار الصحي بالنسبة له هو الخيار الأفضل.