تعزيز الصحة

لو أنك طرحت سؤالاً على عشرة أشخاص: ما هو تعزيز الصحة؟ لربما أتتك عشر إجابات مختلفة. لا لشيء وإنما لأن مفهوم (تعزيز الصحة) لم يتنام وينتشر إلا منذ بضعة عقود، وبالرغم من هذا فقد استأثر باهتمام المخططين والمنفذين الصحيين وعقدت حوله العديد من المؤتمرات في أرجاء العالم. دعونا نستعرض معاً مفهوم تعزيز الصحة.
أهم جانب في تعزيز الصحة يتلخص في أن مسؤولية الصحة تقع على عاتق الإنسان نفسه أكثر مما تقع على عاتق الطبيب أو الفريق الطبي. ولكي يتحمل الإنسان مسؤولية صحته يجب أن يُهيأ لذلك ببرامج توعية صحية في البيت والمدرسة والجامعة والشارع والنادي.. التوعية الصحية التي لا تقف عند إيصال المعلومة الصحية له وإنما تتعدى ذلك إلى أن تتحول المعلومة الصحية إلى سلوك صحي. هل هذا أمر مستحيل؟ لا ليس مستحيلاً ولكنه يحتاج إلى تخطيط سليم وأهداف محددة قابلة للقياس. أضرب مثلاً على ذلك: قررت السويد أن تمحو من قائمة الأمراض تسوس الأسنان لدى الأطفال. ولكي يصلوا إلى هذا الهدف عمموا الثقافة السنية في البيت والمدرسة. لم يكتفوا بالمحاضرات وندوات النقاش، وإنما دربوا الأطفال عملياً ومن سن مبكرة على تنظيف أسنانهم والتقليل من أكل الحلويات والسكريات، وأصبحت السويد وأمست فإذا بتسوس الأسنان لدى الأطفال اختفى أو يكاد.
الجانب الثاني هو أن الصحة لا يجب أن ينظر إليها فقط على أنها عمل إنساني واجتماعي نبيل، وإنما هي أيضاً وسيلة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إذا نظرنا إلى الصحة بهذين المنظارين ــ الإنساني والاقتصادي معاً ــ استطعنا أن نحقق أهدافنا الصحية بشكل أفضل. فعلى سبيل المثال في نهاية القرن التاسع عشر عندما شرع في حفر قناة بنما لتصل بين المحيطين الأطلنطي والباسيفي حالت الحمى الصفراء التي كانت تفتك بالعاملين في حفر القناة دون الاستمرار في المشروع، وعندما اقتنع المسؤولون بأن لا جدوى من الاستمرار في المشروع إلا بعد القضاء على الحمى الصفراء (اعتبروا الجانب الاقتصادي للمشروع) صرفوا الأموال وبذلوا الجهود لمكافحة المرض. المثل الثاني يأتينا من اليابان؛ نجحت اليابان في القضاء على مرض البلهارسيا بعد أن وجد المخططون الصحيون أنهم لن يتمكنوا من رفع مستوى إنتاج البشر الذين يعيشون في المناطق الموبوءة بمرض البلهارسيا إلا بعد أن يقضوا عليها. وفعلاً نجحوا في مكافحة المرض فيما فشلت دول أخرى نظرت إلى قضية البلهارسيا من منظور اجتماعي وإنساني محض.
من هنا أتت توصية منظمة الصحة العالمية بأن قضية الصحة والارتفاع بمستواها يجب أن تكون على أجندة كل مسؤول في الدولة بما في ذلك وزراء المالية والاقتصاد والتخطيط والتعليم والبيئة. عليهم أن ينظروا إلى الصحة على أنها هدف إنساني نبيل، وفي الوقت نفسه هي أيضاً استثمار يؤدي إلى النمو الاقتصادي. سبق لي أن كتبت وتحدثت عن تعزيز الصحة وقلت فيما قلت لو أن 2،5 % من ميزانية الصحة في أي مجتمع خصصت لتعزيز الصحة، أي على برامج التثقيف الصحي المبنية على أسس علمية والتي تهدف إلى تغيير السلوك البشرى إلى الأفضل، لأمكن الارتفاع بمستوى الصحة في هذا المجتمع 25 % عما كان عليه.