حوار عن فيرس الإبيولا ..ضيف الحوار أ. د. زهيــر أحمـد السباعي

  • في بداية حوارنا نريد التعرف على فيروس إيبولا. وكيف نتقيه؟

أعلنت مؤخراً منظمة الصحة العالمية في جنيف أن وباء فيروس إيبولا (EVD) أصبح حالة طارئة تستحق اهتمام العالم. هذا الوباء لفيروس إيبولا ليس أول وباء للمرض يصيب غرب وأواسط إفريقيا بيد أنه أشدها وطأة وشراسة. أول ظهور للأوبئة المتتالية للمرض كان في عام 1976 في الكونغو إلى جوار نهر يسمى إيبولا (ومن هنا أخذ المرض اسمه). وفي الفترة التي انقضت بين عامي1976 و 2012 ولمدة 36 سنة سجلت خلالها عدة أوبئة في إفريقيا أصابت نحواً من 2500 شخصاً، أما الوباء الحالي فمنذ ظهوره في ديسمبر 2013م، وحتى 4 نوفمبر 2014م أى خلال عام واحد فقط أصاب المرض 13268 شخصاً، شخصا في بلدان غرب أفريقيا (غينيا، و سيراليون،وليبريا، ونيجيريا، والسنغال ومالي ) توفي منهم 4960 شخصا . بالاضافة الى حالات فردية سجلت في الولايات المتحدة الأمريكية وأسبانيا.
على إثر إعلان منظمة الصحة العالمية أن وباء إيبولا حالة طارئة، اجتمع نخبة من العلماء والباحثين في مركز الوقاية من الأمراض (CDC) في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأمريكية وانضم إليهم آخرون من أنحاء أمريكا عبر شبكة الانترنت ليتباحثوا في أمر هذا الوباء وليضعوا الخطط والبرامج للحد من انتشاره، وأعلنوا حالة الطوارئ القصوى في أمريكا للوقاية منه. وذكر مدير المركز أنه لحماية أمريكا وبقية دول العالم من هذا الوباء يجب بذل كل الجهود لحصره في موطنه في أفريقيا. وهي كلمة حق. فالفيروسات مثلها مثل الرياح لا تعترف بالحدود الجغرافية، ولذا كان على العالم أجمع أن يكثف جهوده لحصر الوباء في موطنه.

  • دعني أسألك عن الفيروسات ماهي كمدخل للحديث عن فيروس الإيبولا ؟

الفيروسات أجسام حية دقيقة أصغر بكثير من البكتريا، لا ترى بالميكروسكوب العادي وإنما بالميكرسكوب الإلكتروني، لا تعيش أوتتكاثر إلا داخل الخلايا الحية سواء في الحيوان أو النبات أو الإنسان. (بعكس البكتريا التي يمكن لها أن تتعايش خارج الخلية)، وحتى الآن عُرف من الفيروسات ووصف بشيء من التفصيل نحو 5000 نوع أما الذي لم يعرف بعد أو يكتشف فأكثر من ذلك بكثير.
تركيب الفيروس إعجاز من الإعجاز. يتكون الفيروس من جزيء يحمل المادة الجينية أو ما يسمى DNA أو RNA وهي التي تحمل خصائص الفيروس وقدرته على التكاثر. يحيط بالجزيء طبقة بروتينية تحميه، وقد يحيط بهذه الطبقة طبقة أخرى دهنية لمزيد من الحماية. لك أن تتخيل حجم الفيروس إذا عرفت أن البكتريا من الصغر بمكان بحيث لا ترى إلا بالميكروسكوب. أما الفيروس فحجمه لا يزيد عن واحد في المئة أو واحد في الألف من حجم البكتريا ولا يرى إلا بالميكرسكوب الإلكتروني.
تغزو الفيروسات الخلايا الحية في المملكتين الحيوانية والنباتية. وبعضها يغزو الخلية الحية في الإنسان فقط. وهذه الأخيرة بعضها ضار يصيب الإنسان بالمرض والبعض الآخر غير ضار. وقد صنف العلماء الفيروسات التي تصيب الإنسان بالمرض إلى 21 مجموعة وسموا المجموعة (عائلة). جميع عائلات الفيروسات تمت لبعضها البعض بصلة القربى، وبينها خصائص مشتركة وخصائص غير مشتركة. وأغلبها يتحول مع الزمن من طور إلى طور. أهم صفة مشتركة بين الفيروسات أنها تتكاثر داخل الخلية الحية إما داخل نواة الخلية أو داخل السيتوبلازم الذي يحيط بالنواة.
نذكر بعض الأمراض التي تسببها الفيروسات على سبيل المثال لا الحصر: الجدري، والجديري، والإنفلونزا، والتهاب الكبد الفيروسي، والإيدز، وحمى الضنك، والحمى الصفراء، وشلل الأطفال، والحصبة، وأخيرا وليس آخراً فيروس إيبولا والذي نحن بصدد الحديث عنه.
تنتقل الفيروسات من المريض إلى الصحيح إما مباشرة عن طريق الرذاذ الذي يخرج مع الكحة أو العطاس (مثل فيروس الإنفلونزا، وفيروس كورونا). أو عن طريق الدم أو الاتصال الجنسي (مثل فيروس التهاب الكبد الفيروسي ج، وفيروس الإيدز) أو عن طريق لدغة البعوض (مثل فيروس حمى الضنك) أو عن طريق الفم (مثل فيروس التهاب الكبد أ). أو بواسطة الدم أو إفرازات المريض كاللعاب والقيء والإسهال (مثل فيروس إيبولا).
والأعراض التي تبدو على الإنسان نتيجة إصابته بفيروس المرض تختلف في شدتها وخطورتها تبعاً لنوع الفيروس، والحالة الصحية للإنسان ومدى مناعته ضد المرض وعمره والعضو المصاب في جسده. بعض الفيروسات إذا أصابت الإنسان تعطيه مناعة دائمة أو طويلة المدى (مثل فيروس الحصبة، والحصبة الألمانية) وبعضها يعطي مناعة قصيرة المدى (مثل فيروس الإنفلونزا).
وبعض الفيروسات أكتشف لها لقاح يقي منها بقدرة الله ويعطي مناعة ضد المرض طويلة الأمد (مثل الجدري الذي اختفى بفضل من الله من الوجود، و شلل الأطفال الذي نأمل أن يكون في طريقه إلى الاختفاء) والبعض الآخر توجد له لقاحات ولكن لتغير طبيعة الفيروس المستمرة لا يعطي اللقاح مناعة دائمة ضد المرض (مثل الإنفلونزا) وهناك صنف ثالث ما زالت البحوث جارية لاكتشاف لقاح له (مثل فيروسي كورونا وإيبولا).
الفيروسات ليس لها علاج محدد ولا تؤثر عليها المضادات الحيوية. ولذا يعطى المريض علاجات تدعم المناعة وتخفض الحرارة وتخفف من الألآم وتعالج أعراض المرض مثل الكحة وضيق التنفس. من ضمن الإجراءات التي ينصح بها الراحة والإكثار من شرب السوائل والغذاء السليم، وكلها تهدف إلى تقوية مناعة الإنسان ليستطيع التغلب على الفيروس. وقد يصف الطبيب للمريض بعض الأدوية التي توقف تكاثر الفيروس وتقلل من مضاعفاته. أو يعطى المريض مضاد حيوي لو أصيب بالتهاب بكتيري إثر إصابته بالالتهاب الفيروسي على أن تؤخذ هذه الأدوية تحت إشراف طبي ولا تؤخذ اجتهاداً لأن إساءة استخدامها قد يؤدي إلى مضاعفات.
أغلب أمراض الفيروسات (وليس كلها) تختفي بعد فترة بدون أي علاج مثل البرد والإنفلونزا. على أننا نؤكد هنا على أن لا يهمل الإنسان في تحري العلاج لأي من الأمراض الفيروسية خاصة إذا كان المريض طفلاً أو كبيراً في السن أو إمرأة حامل أو مصاب بمرض من الأمراض التي تقلل من المناعة.
يقدر أن 60% من الأمراض التي عرفها الإنسان انتقلت في وقت ما من الحيوانات إلى البشر (Zoonotic Diseases). يذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: حمى السارس (الخفافيش)، فيروس كورونا MERS (الجمال)، انفلونزا الطيور (الطيور)، الطاعون (الفئران)، الجمرة الخبيثة (الحيوانات النافقة) مرض الكلب (الكلاب). هذه الأمراض التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان تنتشر أكثر ما تنتشر في المناطق كثيفة السكان، التي يزاحم فيها البشر الحيوانات في مواطنهم في الغابات والأحراش والبرية.

  • ماهي أسباب مرض إيبولا وأعراضه وطرق تشخيصه ؟

مرض إيبولا يسببه فيروس دقيق لا يرى إلا بالمجهر الإلكتروني، بيد أنه شرس إذ تصل نسبة الوفيات بين المصابين به الى نحو من 50 في المائة.
يصيب المرض أساسا الحيوانات البرية وبخاصة الخفافيش ومنها ينتقل إلى الإنسان. تنتقل العدوى من المريض إلى الصحيح إذا ما لوث دم المريض أو إفرازاته مثل اللعاب والبول والغائط والسائل المنوي جروحاً أو خدوشاً في الجلد أو الغشاء المخاطي لدى أي من مخالطيه.
الفيروس على شراسته إلا أنه من لطف الله على عباده أنه لا يعدي عن طريق التنفس. يستغرق ظهور الأعراض بعد الإصابة بالفيروس من 2 – 21 يوماً، تبدأ الأعراض بارتفاع في درجة الحرارة. وصداع، وشعور بالتعب، وألآم في العضلات والمفاصل، واحتقان في الزور، وسرعان ما يصاب المريض بإسهال وقيء. وقد يتطور المرض فيصاب المريض بنزيف داخلي أو خارجي وهبوط في الكليتين والكبد.
يتم التشخيص المبدئي عن طريق الصورة الإكلينيكية، ويتأكد التشخيص بفحص عينة من الدم للبحث عن الأجسام المضادة، أو البحث عن الفيروس بواسطة الميكروسكوب الإلكتروني.

  • هل يوجد علاج لفيروس إيبولا ؟

لا يوجد علاج محدد للمرض حتى الآن، ولذا فعلاج المريض يعتمد على العلاج الداعم بإعطائه المحاليل الوريدية لمقاومة الجفاف، ومخفضات الحرارة، والمسكنات، مع ضرورة عزل المريض حتى لا ينقل العدوي إلى الآخرين، وهنا يجب التنبيه على أن العلاج يجب أن يتم في المستشفى أو المركز الصحي وليس في المنزل لسببين أولها إحاطة المريض بكافة الإمكانات الطبية اللازمة لإنقاذه وثانيهما الوقاية من انتقال العدوى منه لمخالطيه. وعلى الفريق الطبي المعالج اتخاذ أقصى وسائل الحماية مثل ارتداء الملابس الواقية والقناع الطبي والقفازات وعدم التعرض لإفرازات المريض. باختصار يتلخص العلاج في العناية السريعة بالمريض، وتفادي انتقال العدوى منه للآخرين. وقد بدئ مؤخراً في إعطاء دواء تجريبي (ZMapp) لم تثبت بعد فعاليته، كما أن الكميات المتوفرة منه محدودة. وباعتبار أنه لا يوجد حتى الآن لقاح واق من المرض فإن الإجراءات الوقائية سواء ما كان منها على مستوى الفرد أو المجتمع تظل هي العامل الأساس في الوقاية من المرض والحد من انتشاره.

  • كيف تكون الوقاية من المرض على مستوي الفرد ؟

هناك أكثر من وسيلة من بينها:
– التزود بالثقافة الصحية حيال المرض: أسبابه، وطريقة انتقاله، وأعراضه، وسبل الوقاية منه. فمن ضمن العوامل التي ساعدت على انتشار الوباء في أفريقيا جهل عامة الناس بأسبابه وطرق انتشاره، واعتقاد البسطاء منهم في المشعوذين وأدعياء الطب الشعبي. الأمر الذي يحول دون العناية الطبية المبكرة بالمريض وحماية الآخرين من العدوى بفيروس المرض.
– ضرورة التبليغ الفوري عن أي مريض يشتبه في إصابته بالمرض.
– عدم علاج المريض في المنزل وإنما في المستشفى.
– عدم زيارة المرضى المشتبه بإصابتهم بالمرض إلا للضرورة القصوى.
– غسل اليدين بالماء والصابون عند ملامسة مريض مشتبه بإصابته بالمرض أو ملامسة أشيائه الخاصة التي قد تكون تلوثت بإفرازاته مثل اللعاب أو البول أو الدم.
– أخذ الحيطة الكافية عند غسل جثث الموتى إذ قد ينتقل الفيروس من جثة المتوفي إلى المحيطين به. وينصح بغسله وتكفينه في المستشفى على أيد مدربة.

  • وكيف تكون الوقاية على مستوي المجتمع ؟

– نشر الوعي الصحي بين الناس هو خط الدفاع الأول لمكافحة المرض.
– حتى نهاية أغسطس 2014م لم تعلن منظمة الصحة العالمية عن ضرورة الحد من السفر بين الدول أو باتخاذ أي اجراءات كارنتينية ما عدا حيال الأفراد الذين تأكد إصابتهم أو مشتبه في أصابتهم بالمرض، والسبب في ذلك أن الفيروس لا ينتقل عن طريق التنفس، ومن ثم فإن احتمال انتقاله بين المسافرين احتمال ضعيف.
– الارتفاع بمستوى صحة البيئة.
– الاستقصاء الصحي للمخالطين للمرضى أو المشتبه في إصابتهم بالمرض.
– التبليغ الفوري للسلطات الصحية المحلية عن أي حالة مرضية أو يشتبه في أن تكون حالة مرضية.
– العزل الفوري للمريض أو المشتبه في إصابته.

 

  •   ما هي النظرة المستقبلية لانتشار المرض؟

المستقبل بيد الله سبحانه وتعالي . ولكن في حدود علمنا كبشر نستطيع أن نقول أنه   في دراسة قامت بها جامعة كولومبيا بأمريكا وجد أن الأمراض الجديدة التي  ظهرت أو كانت كامنة وبعثت من مرقدها خلال الخمسين سنة الأخيرة في ازدياد مطرد. هذه الأمراض  ما هي إلا  ضريبة يدفعها الإنسان في محاولاته المتواصلة بإفساد البيئة (ecosystem) من حوله بما في ذلك إزالة الغابات (وما يتبعه من اضطراب في التوازن البيئي من جهة والاتصال المباشر بالحيوانات البرية وما قد تحمله من أمراض) وبناء السدود وتغيير مجاري الأنهار وبناء المصانع بطرق غير مدروسة بيئياً. وليس ببعيد عن الأذهان الأوبئة التي انتشرت في القرن العشرين وقضت على ملايين البشر نتيجة للتساهل في الإجراءات الوقائية حيالها. مثل وباء الإنفلونزا الآسيوية التي قضت على 40 مليون نسمة، أو وباء الكوليرا الذي اجتاح العالم من شرقه إلى غربه في السبعينات من القرن الماضي. ومع سهولة السفر بالطائرات لا توجد حدود لإمكانية انتقال أى مرض فيروسي عبر الدول أو القارات.

ولذا كانت الوقاية من هذه الأوبئة هي العلاج الأفضل لها. بما في ذلك التحسينات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للمجتمع، وإعادة النظر في السياسة الصحية لكي تكون سياسة شاملة تعنى بالوقاية والعلاج معاً، وإعادة النظر في التعليم الطبي ليعنى بإعداد أفراد الفريق الصحي المهيئين للعناية بالعلاج والوقاية معا.

  • هل نحن معرضون في المملكة لـفيروس (إيبولا) ؟

نستقرئ من الأحداث  أنه لا يوجد مجتمع بعيد عن إمكانية تسلل المرض إليه. والأمثلة على ذلك عديدة. فقد ظهرت حالتان لأمريكيين عاشا مؤخراً في أفريقيا. كما اكتشفت خمس حالات مشتبه فيها بين 40 مهاجراً  تسللوا من أفريقيا إلى ألبانيا. واكتشفت حالة قس أسباني أصيب بالمرض أثناء عمله في أفريقيا. كما نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا بدأت في إعداد المعامل والمستشفيات لمواجهة المشكلة. كل ما علينا أن نفعله هو أخذ الاحتياطات اللازمة. ومن أهمها.

–    إشاعة الوعي بين المواطنين بكافة الوسائل الممكنة عن أسباب المرض وأعراضه وضرورة التبليغ الفوري عن أي مشتبه فيه.

–    عمل الإجراءات اللازمة حيال القادمين من مناطق أصابها الوباء. خاصةً في موسم الحج.

–  رفع مستوى صحة البيئة.

–    إعداد بعض المستشفيات إعداداً جيداً لاستقبال الحالات المرضية فيما لو وصلتنا لا قدر الله.

–    إنشاء المختبرات عالية الجودة لفحص الحالات المشتبه فيها.

نسأل الله أن يقينا شر الأوبئة والأمراض، وأن يعيننا على ذلك بأن ييسر لنا التخطيط السليم والتنفيذ المحكم.

  • هناك كتيبات صحية صدرة لكم تحت مسمى الصحة والحياة فما هي ؟

هي مجموعة كتيبات صغيرة الهدف منها التثقيف الصحي . صدر منها حتى الآن :  التثقيف الصحي , و مدخل إلى الصحة العامة , و المخدرات.. الهاوية المدمرة , والأمن والسلامة المدرسية  , و السواقة الدفاعية , والإسعافات الأولية ,  و فيروس كورونا , و فيروس إيبولا . صدرت هذه الكتيبات بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية.