وباء حمى الوادي المتصدع

لا أريد أن أتحدث هنا عن وباء حمى الوادي المتصدع الذي أصاب جنوب المملكة ، وكُتب عنه الكثير ، بقدر ما أريد أن أشير إلى أمر قد يعيننا على تفادي مثل هذه المشكلة مستقبلاً .
عدة عوامل تضافرت وأدت إلى انتشار الوباء ، منها دخول المواشي الحاملة للفيروس إلى جنوب المملكة ، وتكاثر البعوض الناقل للمرض نتيجة لهطول الأمطار ، والسلوك البشري الذي أدى إلى انتشار المرض .
زاد من حدة المشكلة أن فيروسات المرض تنتقل من البعوضة المصابة إلى بويضاتها ، و أن البويضات تقاوم الجفاف لشهور طويلة إلى أن تهطل الأمطار فتفقس عن بعوض مصاب بالفيروس .
السلوك البشري له دور في انتشار الوباء . فالمرض مرض حيوانات ، ولا يصيب الإنسان إلاّ عرضاً نتيجة لسلوكه . سواء باتصاله المباشر بدماء الحيوانات المصابة أو بتعرضه للدغات البعوض بدون ساتر .
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : كيف نتفادى مثل هذا الوباء مستقبلاً ؟ في اعتقادي أن الحل يكمن في ثلاثة أمور أولها التوعية الصحية التي تتعدى حدود إعطاء المعلومة إلى مرحلة تغيير السلوك . ثانيها إصحاح البيئة . وثالثها تعديل النظام ، وأعني بالنظام مركزية القرار في ما يتصل بالصحة والبيئة .
أتطلع إلى اليوم الذي توكل فيه مسئولية القرار في التخطيط والتنفيذ إلى المناطق لتقوم بها في إطار الخطة العامة التي تضعها الوزارات المعنية في الرياض ، وأن تعطى كل منطقة شؤون صحية الصلاحيات المالية والإدارية الكافية التي تهيئها لمقابلة مسئولياتها . على أن يكافأ المحسـن ويحاسب المقصر .
وبدون تفويض قدر واف من المسئوليات والصلاحيات للمناطق سوف تقف النظم الإدارية والمالية المركزية حائلاً أمام التخطيط والتنفيذ السليمين .
من واجبنا أن نكون على حذر ونحسن التخطيط المسبق فالعالم أجمع مقبل على تغيرات صحية وبيئية غير مسبوقة ، نتيجة لانفتاح الحدود وسهولة التنقل بين الدول ، والتغيرات المناخية المتوقعة (ارتفاع درجة حرارة الأرض) والتأثير السلبي للمضادات الحيوية و المبيدات الكيميائية ، والتغيرات في السلوك الإنساني .
ويجب أن لا ننسى أن النجاح في مكافحة وباء لا يكمن في مواجهته في حينه بقدر ما يكمن في الاستعدادات التي تتخذ قبل حدوثه ، ذلك أن أسباب الوباء – أي وباء – تضرب جذورها في الماضي . والإجراءات الصحية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية التي يجب أن تتخذ لتطوير الرعاية الصحية بعامة و للوقاية من الوباء قبل حدوثه بخاصة لا تتيسر إلاّ بإعطاء أكبر قدر من الصلاحيات التخطيطية و التنفيذية للمناطق.